أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

65

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : فَتَحْنا . قرأ الجمهور « فَتَحْنا » مخففا ، وابن عامر « فتّحنا » مثقلا ، والتثقيل مؤذن بالتكثير لأن بعده « أَبْوابَ » فناسب التكثير ، والتخفيف هو الأصل . وقرأ ابن عامر أيضا في الأعراف « لفتّحنا » ، وفي القمر فَفَتَحْنا أَبْوابَ « 1 » بالتشديد أيضا ، وشدد أيضا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ « 2 » . والخلاف أيضا في فُتِحَتْ أَبْوابُها في الزمر في الموضعين « 3 » ، وَفُتِحَتِ السَّماءُ « 4 » والتاء ، فإنّ الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها ، ولم يقرأها بالتخفيف إلا الكوفيون ، فقد جرى ابن عامر على نمط واحد في هذا الفعل ، والباقون شددوا في المواضع الثلاثة المشار إليها ، وخففوا في الباقي جمعا بين اللغتين قوله : « فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ » « إذا » هي الفجائية ، وفيها ثلاثة مذاهب : مذهب سيبويه : أنها ظرف مكان . ومذهب جماعة منهم الرّياشيّ : أنها ظرف زمان . ومذهب الكوفيين : أنها حرف . فعل تقدير كونها ظرفا مكانا أو زمانا ، الناصب لها خبر المبتدأ ، أي : أبلسوا في مكان إقامتهم ، أو في زمانها . والإبلاس : الإطراق ، وقيل : هو الحزن المعترض من شدة اليأس ، ومنه اشتق إبليس ، وقد تقدم في موضعه ، وأنه هل هو أعجمي أم لا . قوله : فَقُطِعَ دابِرُ . الجمهور على « قطع » مبنيا للمفعول ، « دابِرُ » مرفوع به ، وقرأ عكرمة : « قطع » مبنيا للفاعل ، وهو « اللّه » - تعالى - « دابِرُ » مفعول به ، وفيه التفات ، إذا هو خروج من تكلم في قوله : « أَخَذْناهُمْ » إلى غيبة . والدابر : التابع من خلف ، يقال : دبر الولد والده ، ودبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا . وقيل : الدابر : الأصل ، يقال : قطع اللّه دابره ، أي : أصله ، قاله الأصمعي . وقال أبو عبيد : دابر القوم آخرهم ، وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت : 1938 - فاستؤصلوا بعذاب خصّ دابرهم * فما استطاعوا له صرفا وما انتصروا « 5 » ومنه : دبر السّهم الهدف ، أي : سقط خلفه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 46 إلى 51 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 ) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 )

--> ( 1 ) سورة القمر ، آية ( 11 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية ( 96 ) . ( 3 ) عند الآية ( 71 ) و ( 73 ) . ( 4 ) آية ( 19 ) . ( 5 ) انظر البيت في ديوانه ( 32 ) ، الطبري ( 11 / 364 ) ، تفسير القرطبي ( 6 / 275 ) .